الشيطان وذهب يصلي، صده من جهة أخرى، وهي؟
الطلبة:
الوسوسة.
الشيخ: الوسوسة، ولهذا شكا رجل إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ذلك -أي الوسوسة- فقال له: «ذَلِكَ
شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزَبٌ»، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، علم هذا
الاسم بالوحي «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزَبٌ،
فَإِذَا -يعني أحسست به- فاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ
ثَلَاثًا، وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ» فَفَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: فَذَهَبَ
عَنِّي مَا أَجِدُ ، لماذا؟ لأنه
فعل ذلك عن إيمان وتصديق، فصار الدواء ناجعًا، أما الواحد من الناس فقد يتفل عن
يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولكن من حين ما يلتفت إلى
الصلاة؟ يأتيه؛ لأن الإيمان بهذا الدواء؟
طالب: ضعيف.
الشيخ: ضعيف، ولهذا من أهم ما يكون هو أن يصدق الإنسان
بالدواء.
ثم قال عز وجل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة: ٩٢]، أحيانًا يقول الله عز وجل: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وأحيانًا يقول:
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [آل عمران: ١٣٢]، ولا
فرق، لكن في بعض الأماكن يحتاج إلى ذكر الطاعة للرسول عليه الصلاة والسلام بخصوصه،
كلما كان الأمر أهم ذكرت طاعة الله ورسوله، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوااحذروا أيش؟
الطلبة: مخالفتهما.
الشيخ: احذروا
مخالفتهما، احذروها فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْولم تحذروا
المخالفة فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [المائدة: ٩٢]، هذه (اعلموا) تنبيه عظيم؛ يعني اعلموا أن الرسول
لا ينفعكم، وأنه ليس مسؤولًا عنكم. وأَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُهذا فيه حصر أداته؟
طلبة:
(أنما).
الشيخ: (أنما) يعني ما عليه إلا البلاغ، إذا
بلَّغ برئت ذمته.
وقوله: الْمُبِينُيعني
(البيِّن)، أو المبين؛ أي (الموضِّح)، وبلاغ الرسول عليه الصلاة والسلام جامع بين
الأمرين؛ فهو بَيِّن بنفسه مُبين لمن يسمعه، ومن ورث الرسول عليه الصلاة والسلام من
العلماء ويش عليه؟
ما عليه إلا البلاغ المبين، وعسى أن يقوم به ولَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة: ٢٧٢]، ولهذا ينبغي لطلبة
العلم إذا وعظوا أو نُصحوا ورأوا الناس لم ينصاعوا ألا يثوروا على الناس، وأن
يقولوا: أنتم بهائم، أنتم حمير، ما تعرفون، ويبتعدون، إذا قال هذا أوغر القلوب
عليه، ولم يقبل منه، وعليه أيضًا أن يصبر، يقول: الحمد لله، إذا كان رسولي محمد صلى
الله عليه وسلم ليس عليه إلا البلاغ فأنا من باب أولى، فكان في هذه الآيات المنع من
الخمر منعًا باتًّا في جميع الأوقات بعد أن هُيِّئت النفوس، ثم مُرِّنت على المنع
منه في بعض الأوقات، والله أعلم.
الطالب: شيخ -أحسن
الله إليك- بالنسبة للآنية التي كان فيها خمر يا شيخ، بعدما رموا الخمر، خلاص في
الشارع (...) الخمر شوية في آنيتهم، فكيف نقول: لم يغسلها وبقي أثر (...)؟
الشيخ: ويش تريد؟ هل تعلم أنه يبقى؟ إذا كفاها مرة
كفيًا تامًّا يبقى شيء؟
الطالب: إي، يبقى
منها.
الشيخ: يبقى شيء؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، يبقى أثر
إي؛ ولهذا ما أُمروا بغسله، لكن الإشكال باقٍ؛ لأنه قد يصب فيها ماء، ويختلط
بالأثر، هذا يدل على أن الشيء إذا خالطه الخمر ولم يؤثِّر به فليس بخمر،
فهمت؟
وبه نعرف خطأ من قالوا: إنه إذا كان فيه جزء من مئة جزء من الخمر هو حرام،
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ
فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» ،
ففهموا النص على غير مراده؛ لأن مراد الحديث ما أسكر كثيره يعني؟
إذا كان الشيء
إذا شربت منه كثيرًا حصل الإسكار، وإن شربت قليلًا فلا إسكار؛ فالقليل الذي ليس فيه
إسكار حرام؛ لأنه قد يتوصل بالقليل إلى الكثير، قد لا يستطيع منع نفسه إذا لاقى
الخمر شرب حتى يسكر، هذا معنى الحديث الذي لا يحتمل سواه، وأما ما خالطه الخمر ولم
يؤثِّر فيه فهذا لا يضر، ومِن ثَمّ نعرف أن بعض الأدوية التي فيها شيء من الكحول لا
تحرم إذا كانت النسبة قليلة.
طالب: في قوله تعالى:
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل: ٦٧] يقول بعض العلماء: إن فيه
تعريضًا في النهي عن الخمر.
الشيخ: لا، قلنا: في هذه
الآية تصريح بحِلِّه؛ لأن الله ذكره في مقام الامتنان.
طالب: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ
حَرَامٌ»؛ فالقليل عرفنا أنه حرام، لكن هل يُقام عليه أيضًا الحد؟
الشيخ: لا؛ يعني الآن يقول: إذا كان قليله حرامًا، فهل يقام عليه
الحد؟ لا، ما يقام الحد إلا على من سكر.
طالب: يا شيخ،
قول الله عز وجل: رِزْقًا حَسَنًاالخمر ليس
رزقًا.
الشيخ: ليس أيش؟
الطالب: ليس حسنًا.
الشيخ: لا، رِزْقًا حَسَنًايعني معناه بالتجارة فقط.
طالب: شيخ، فيه حد مفتي دولة أفتى بجواز تصنيع الخمر، تصنّعها
الدولة، بس المسلم ما يشرب، يشربها الكافر، ما حكم هذا المفتي؟
الشيخ: شوف يا أخي، أطلب منك شيئًا، أرجو ألا تخيبني في طلبي؛
مُر هذا الرئيس يكتب لي كتابًا يستفتيني.
الطالب:
(...).
الشيخ: أنت مُر هذا الرئيس يستفتيني عشان
أجاوبه.
طالب: الله يكرمك يا شيخ، بالنسبة لطلاق
المسكر، هل هذا (...) يقع أو لا يقع؟
الشيخ: لا
يقع.
الطالب: الدليل على أنه لا يقع؟
الشيخ: الدليل أنه لا يعلم ما يقول؛ فهو كالمجنون.
الطالب: بعض العلماء يقولون..
الشيخ:
خلِّ عنك، اصبر هذا دليل، دليل آخر: «لَا طَلَاقَ فِي
إِغْلَاقٍ» ،
وهذا إغلاق، مُغلق عليه، هات، ويش بعض العلماء؟
الطالب:
لو أنه يعني أحد يعني تعاطى مخدرات وقتل إنسانًا، هل يُقام عليه حد أو لا يقام
الحد؟
الشيخ: إحنا نتكلم عن الحد من عند الله، أما هذا
ما هو حد؛ يعني قتل القاتل عمدًا ليس حدًّا، ولكنه قصاص، ولهذا لو أن السكران أحرق
دكان إنسان لضمنه؛ لأن هذا حق آدمي، والكلام على حق الله، أفهمت؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على أن عثمان
رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين قال: لا طلاق على سكران
؛
يعني ما هي مسألة أدلة.
بقي أن يقال: ما حجة القائلين بوقوع الطلاق عليه؟
قالوا: زيادة في الرد.
فنجيبهم بأمرين:
أولًا: أنكم تقولون: إن عقوبة الخمر
حدّ، والحدّ لا تجوز الزيادة عليه.
ثانيًا: إن إيقاع طلاقه ليس عقوبة عليه
وحده، بل وعلى امرأته وأولاده، كيف نعاقب من لا وِزر منه؟
فالقول بأن السكران
يحدّ؛ ضعيف جدًّا، الصواب: أنه لا طلاق عليه، لكن ما يتعلق بحقوق الآدميين يجب
استيفاؤه، ولكن هل يُقتل فيما إذا قتل عمدًا، أو نقول: هذا لا عقل له فلا عمد له؟
قل؟
طالب: يُقتَل يا شيخ.
الشيخ: يُقتَل؟
الطالب:
نعم.
الشيخ: على قول كثير من العلماء، وبعضهم قال: لا
يقتل إلا إذا علمنا أنه شرب الخمر ليَقتُل، لو كان فقيهًا، وقال: ما أريد أن أقتله
عمدًا هكذا، لكنه يشرب خمرًا علشان يكون غير صاحي ويروح يقتله، هذا يُقتَل؛ لأن
الحيل لا تبطل الأحكام الشرعية.
***
طالب: (...) والسلام على رسول
الله، قال المصنف حفظه الله:
ترتيب القرآن تلاوته تاليًا بعضه بعضًا حسبما
هو مكتوب في المصاحف ومحفوظ في الصدور.
وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول:
ترتيب الكلمات بحيث تكون كل كلمة في موضعها من الآية، وهذا ثابت بالنص والإجماع،
ولا نعلم مخالفًا فيه بوجوبه وتحريم مخالفته، فلا يجوز أن يقرأ: لله الحمد رب
العالمين بدلًا من الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢].
النوع الثاني: ترتيب الآيات؛ بحيث تكون كل
آية في موضعها من السورة، وهذا ثابت بالنص والإجماع، وهو واجب على القول الراجح،
وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن يقرأ: (مالك يوم الدين، الرحمن الرحيم) بدلًا من الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٣، ٤]، ففي صحيح البخاري أن عبد الله بن الزبير قال
لعثمان بن عفان رضي الله عنهم في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة: ٢٤٠]، قد نسختها الآية الأخرى؛ يعني قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]، وهذه قبلها في التلاوة، قال: فلِمَ تكتبها؟ فقال: عثمان رضي الله
عنه: يا ابن أخي، لا أغير شيئًا منه من مكانه .
وروى الإمام أحمد وأبو داود
والنسائي والترمذي من حديث عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول:
«ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ
فِيهَا كَذَا وَكَذَا» .
النوع
الثالث: ترتيب..الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا بيان معرفة المكي والمدني.
طالب: المكي ما كان قبل الهجرة، والمدني ما كان بعد
الهجرة.
الشيخ: إي نعم، ما الفائدة من معرفته؟
طالب: معرفة الـ..
الشيخ:
المكي والمدني؟
طالب آخر: تمييز الناسخ من المنسوخ فإن
جاءت آيتان (...) إحداهما الأخرى، وتطلق عليه النسخ، فالمدنية منها ناسخة
للمكية.
الشيخ: طيب، نعم؟
طالب: ظهور بلاغة القرآن.
الشيخ:
ظهور بلاغة القرآن؛ حيث إنه يخاطب أهل مكة، وأهل المدينة بما يناسب حالهم.
طالب: ظهور حكمة التشريع في أسمى غاياته؛ حيث يتدرج، فيبدأ
بالأهم فالأهم.
الشيخ: تمام، الحكمة في التشريع بأن
يكون متدرجًا حسب ما تقتضيه الحال.
طالب: تربية الدعاة؛
حيث يخاطب كل الناس بما يناسبهم.
الشيخ: انتقلنا الآن
إلى ترتيب القرآن، القرآن لا شك أنه مُرتَّب في السور والآيات والكلمات والحروف؟
إذن من الفوائد، أو من الحكمة في نزول القرآن مُفرّقًا هو تنشيط الهمم لقبول ما
نزل من القرآن، وتنفيذه حيث يتشوف الناس إليها بلهف فتنزل وهم أشد ما يكونون لها
شوقًا، ومعلوم أن الشيء إذا أتى الإنسان على شوق وتلهّف فإنه يمكث في ذهنه، ويرسخ
ويجد له لذة وحلاوة.
طالب: العبارة يا شيخ؟
الشيخ: تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القرآن وتنفيذه حيث يتشوّق
الناس بلهف، أو يتشوف -يجوز هذا وهذا- بلهف، وتشوق إلى نزول الآية لا سيما عند
اشتداد الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللعان.
وتقدم الكلام على هذا، تقدم
الكلام على الإفك، ووهمت في مسألة الذين خاضوا في الإفك، قلت: إنهم امرأتان ورجل،
والصواب أنهم رجلان وامرأة؛ الرجلان: مِسطح بن أُثاثه، والثاني: حسَّان بن ثابت رضي
الله عنه مع أنه كان يقول في وصف عائشة:
| حَصَـــــــــــــانٌ رَزَانٌ مَــــــــــا
تُــــــــــــزَنُّ بِرِيبَـــــــــــةٍ |
.............................
|
والثانية: حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، وزينب رضي
الله عنها، حماها الله تعالى من ذلك، وهي زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنها
ضرة عائشة، وحمنة هلكت فيمن هلك، وإن شاء الله سنأتي بحديث الإفك نقرؤه كاملًا؛ لأن
فيه آيات وعبرًا فيما حدث.
الآن نقول: ترتيب القرآن: (
ترتيب القرآن: تلاوته
تاليًا بعضه بعضًا حسبما هو مكتوب في المصاحف ومحفوظ في الصدور).
والترتيب
معناه: جعل الشيء بعد الشيء، تقول: رتّبت كذا؛ أي: جعلت بعضه بعد بعض، فترتيب
القرآن يعني بالنسبة للإنسان نفسه هو أن يتلوه كما ورد مُرتّبًا في آياته، في
كلماته، في سوره.
يقول: (
هو ثلاثة أنوع: النوع الأول: ترتيب الكلمات؛ بحيث
تكون كل كلمة في موضعها من الآية، وهذا ثابت بالنص والإجماع، ولا نعلم مخالفًا في
وجوبه وتحريم مخالفته) هذا ترتيب أيش؟ الكلمات غير ترتيب الآيات.
مثال ذلك:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هذه آية، هل
يجوز أن يقول: لله الحمد رب العالمين؟
طلبة:
لا.
الشيخ: لا يجوز مع أن (لله الحمد) فيها حصر، ومع
ذلك نقول: لا يجوز؛ لأنه خلاف تريب القرآن الكريم، والله -تبارك وتعالى- تكلّم به
على هذا الترتيب، فلا يحل لأحد أن يُقدِّم كلمة على كلمة، وهذا محل إجماع لا خلاف
فيه.
(
الثاني: ترتيب الآيات: بحيث تكون كل آية في موضعها من السورة، وهذا
ثابت بالنص والإجماع، وهو واجب على القول الراجح، وتحرم مخالفته، فلا يجوز أن يقرأ
(مالك يوم الدين الرحمن الرحيم) بدلًا عن الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، هذا ترتيب آيات، وهو أقل من المخالفة في ترتيب الكلمات؛ لأن
هذا غايته أنه قدَّم آية على آية، لكن ترتيب كلمات الآية حسبما جاء في القرآن، ومع
ذلك هو حرام، لا تجوز مخالفته، فلا يجوز أن يقرأ القارئ (الحمد لله رب العالمين
مالك يوم الدين الرحمن الرحيم)، هذا حرام؛ لأنها مرتبة ترتيبًا توقيفيًّا.
(
ففي صحيح البخاري أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان بن عفان رضي الله عنهم
في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)؛ يعني إذا توفى الإنسان فإن عليه أن يُوصي
لزوجته أن تبقى في البيت لمدة حول كامل لا تُخرج، لكن إن خرجت فلا بأس، إنما على
الورثة أن يبقوها في البيت حولًا كاملًا غير إخراج بوصية من زوجها.
يقول: (
قد
نسختها الآية الأخرى؛ يعني قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]) وأيهما الأُولى في الترتيب؟
طلبة:
الثانية.
الشيخ: الثانية، هي الأولى في الترتيب مع أنها
ناسخة، يقول عبد الله بن الزبير -وهذه قبلها في التلاوة، قال-: فَلِمَ تكتبها؟ يعني
كيف تكتبها قبلها وهي ناسخة لها؟ فقال عثمان رضي الله عنه: يا ابن أخي، لا أغير
شيئًا منه من مكانه
، وهذا دليل على أن ترتيب الآيات
أيش؟
الطلبة: توقيفي.
الشيخ: توقيفي، ليس على حسب النزول، ولا على حسب المعنى، إنما هو
توقيفي من عند الله عز وجل.
(
وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي
من حديث عثمان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه السور ذوات
العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا
كَذَا وَكَذَا» ).
وهذا نص واضح على أن ترتيب الآيات أيش هو؟
الطلبة:
توقيفي.
الشيخ: توقيفي، لا أثر عثمان، ولا هذا الحديث،
فلا يجوز أن يبدأ بآية قبل الأخرى إذا كانت بعدها في التلاوة.
(
النوع
الثالث: ترتيب السور بحيث تكون كل سورة في موضعها من المصحف، وهذا ثابت
بالاجتهاد) ممن؟
طلبة: الصحابة.
الشيخ: من الصحابة رضي الله عنهم، وبعضه ثابت بالتوقيف، كما
سيذكر.
(
وهذا ثابت بالاجتهاد فلا يكون واجبًا، وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن
اليمان رضي الله عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات
ليلة، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم (البقرة)، ثم (النساء)، ثم (آل عمران)
.
وروى البخاري تعليقًا عن الأحنف، أنه قرأ في الأولى بـ(الكهف)، وفي
الثانية بـ(يوسف) أو بـ(يونس)، وذكر أنه صلى مع عمر بن الخطاب الصبح
بهما ).
وهذا مخالف في ترتيب
المصحف، لكنه لا بأس به؛ لأنه من باب أيش؟
طلبة:
الاجتهاد.
الشيخ: من باب الاجتهاد، لكن بعضه توقيفي
مثل: المعوذتين؛ فإنها توقيفية،
فقد كان النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم يقرأ: (قل أعوذ برب الفلق) قبل (قل أعوذ برب الناس)
،
كذلك (سبِّح) و(الغاشية)، فقد كان النبي صلى الله
عليه وسلم يقرأ بهما في الجمعة ويبدأ بأيش؟
طلبة: بـ(سبِّح).
الشيخ:
بـ(سبح)، كذلك (الجمعة) و(المنافقون)، فكان الرسول يقرأ بهما في الجمعة، فيبدأ
بسورة (الجمعة)
، مثل هذا نعرف أنه
توقيفي.
فإن قال قائل: كيف خالف الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم في تقديم (آل عمران) على سورة (النساء)؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن
النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بينهما في الفرض؛ أي: بين (البقرة) و(آل عمران)، كما
في قوله:
«اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ؛ الْبَقَرَةَ وَآلَ
عِمْرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا
غَيَايَتَانِ أَوْ غَمَامَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُظَلِّلَانِ
صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فجمع بينهما.
ثانيًا: لعل العرضة الأخيرة التي عرض فيها الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن
على مَنْ؟ على جبريل، لعل الترتيب تغيَّر بعد أن سمعه مَنْ؟ حذيفة، وحينئذٍ يزول
الإشكال.
(
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: تجوز قراءة هذه قبل هذه،
وكذا في الكتابة، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة رضي الله عنهم في كتابتها، لكن لما
اتفقوا على المصحف في زمن عثمان رضي الله عنه صار هذا مما سَنَّه الخلفاء الراشدون،
وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها )،
لكن استثنى بعض أهل العلم ما إذا كان ذلك للتعليم؛ فإنه لا بأس أن يُقدِّم السورة
المتأخرة؛ لأن ذلك أيسر وأهون، وهذا هو المعمول به الآن، وأظنه من قديم
الزمان.
الصبيان في المجالس يُعلَّمون من آخر القرآن، فيقرؤون: (قل أعوذ برب
الناس) قبل (قل أعوذ برب الفلق)، وهكذا؛ لأن ذلك أسهل وأيسر، فيكون مخالفة الترتيب
من أجل الحاجة إلى تفهيم الصبيان.
كتابة القرآن وجمعه
00:27:41
قال: (
كتابة القرآن وجمعه، لكتابة القرآن وجمعه ثلاث مراحل؛
المرحلة الأولى: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الاعتماد في هذه المرحلة
على الحفظ أكثر من الاعتماد على الكتابة؛ لقوة الذاكرة، وسرعة الحفظ، وقلة
الكاتِبِين، وقلة وسائل الكتابة).
أربعة أسباب، كان الناس في عهد الرسول صلى
الله عليه وسلم يعتمدون على الحفظ أكثر من الكتابة لهذه الأسباب:
أولًا: (
قوة
الذاكرة)، فإنه لا شك أن عند العرب قوة ذاكرة عظيمة؛ يأتي الشاعر منهم إلى
المجلس، ويُنشد القصيدة، تبلغ خمسين بيتًا أو مئة بيت مرة واحدة ثم أيش؟ يحفظونها
ويتناقلونها.
ثانيًا: يقول: (
سرعة الحفظ)، بينهما فرق (
قوة
الذاكرة)، أنه إذا أراد الشيء استحضره بسرعة (
سرعة الحفظ)؛ يعني يحفظ
سريعًا.
والناس في هذا ثلاثة أقسام أو أربعة: سريع الحفظ والنسيان، بطيء الحفظ
والنسيان، بطيء الحفظ سريع النسيان، سريع الحفظ بطيء النسيان، يختلفون، هذه
اختلافات أربعة، وأحسنهم؟
طلبة: الأخير.
الشيخ: سريع الحفظ بطيء النسيان.
(وقلة الكاتبين) الكتبة في
عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قليلون؛ لأن العرب أمة أمية، قال الله
تعالى:
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَقْرَأُ وَلَا نَكْتُبُ»
،
لكن بعد أن جاء الإسلام صاروا علماء، بل علماء العالم كله.
أيضًا: (
قلة
وسائل الكتابة)، وسائل الكتابة قليلة؛ الأوراق قليلة، والمداد قليل، ولهذا
يكتبون في العظام، ويكتبون في اللخاف، الحصا، في عسب النخل كما سيأتي.
(
ولذلك لم يُجمع في مصحف، بل كان من سمع آية حفظها، أو كتب فيما يتيسر له من
عُسب النخل، ورقاع الجلود، ولخاف الحجارة، وكِسر الأكتاف).
الأكتاف يعني
أكتاف البعير مثلًا العظام، وكان القراء عددًا كبيرًا؛ القراء يعني الذين يحفظون
القرآن عن ظهر قلب.
(
ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث سبعين رجلًا يقال لهم:
القُرَّاء، فعرض لهم حَيَّان من بني سُليم ورعل وذكوان عند بئر معونة
فقتلوهم ،
وفي الصحابة غيرهم كثير كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي
حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء رضي الله عنهم).
وهذا يدل على أن الصحابة يعتمدون على الحفظ أكثر.
(
المرحلة الثانية: في عهد
أبي بكر الصديق رضي الله عنه في السنة الثانية عشرة من الهجرة، وسببه أنه قتل في
وقعة اليمامة عدد كبير من القراء؛ منهم: سالم مولى أبي حذيفة، أحد من أمر النبي صلى
الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنه).
الله أكبر! مولى من الموالي، أمر النبي
صلى الله عليه وسلم أن يُؤخذ القرآن من أربعة منهم سالم مولى أبي حذيفة، وهو مولى
يؤخذ عنه كلام الله عز وجل، لكن فضل الله يؤتيه من يشاء، فأمر أبو بكر رضي الله عنه
بجمعه لئلَّا يضيع.
(
ففي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشار على أبي بكر رضي الله عنها بجمع القرآن بعد وقعة اليمامة
فتوقف) من يتوقف؟
الطلبة: أبو بكر.
الشيخ: أبو بكر (
فلم يزل عمر
يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر لذلك، فأرسل إلى زيد بن ثابت، فأتى وعنده عمر فقال
له أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك -ثناء عظيم-
عاقل أمين)، من أين أخذ الأمانة؟ من قوله: (
لا
نتهمك).
(
وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله
عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، قال: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور
الرجال، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة
بنت عمر رضي الله عنه. رواه البخاري مطولًا ).
والشاهد أن أبا بكر الصديق أمر بجمع
القرآن، وهذا هو الجمع الأول في عهد أبي بكر رضي الله عنه.
(
وقد وافق
المسلمون أبا بكر على ذلك، وعدّوه من حسناته حتى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب
الله ).
وفي هذا وخزة وطعنة في صدور الرافضة الذين يبغضون أبا بكر، وربما كان بعضهم
يلعنه والعياذ بالله، فها هو علي بن أبي طالب الذي يرون أنه إمام الأئمة، يقول فيه
ما سمعتم؛ لأن علي بن أبي طالب رجل مؤمن تقي عاقل عادل، فقال الحق، لكن أولئك
الرافضة على العكس من ذلك، ولهذا يُخالفون علي بن أبي طالب في مسائل؛ خالفوه في
المتعة، هو رضي الله عنه ممن روى تحريم المتعة، وخالفوه في المسح على الخفين، هو
ممن روى المسح على الخفين، وهم لا يقولون به، وهذا يدل على أنهم إنما أتوا به -أي
بعلي بن أبي طالب- للترويج على العامة، وأنهم ينتصرون لآل البيت.
(
المرحلة
الثالثة: في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في السنة الخامسة
والعشرين) الأولى في عهد أبي بكر، متى؟
الطلبة:
الثانية عشرة.
الشيخ: الثانية عشرة؛ يعني بعد ثلاث عشرة
سنة في الخامسة والعشرين.
(
وسببه اختلاف الناس في القراءة بحسب اختلاف الصحف
التي في أيدي الصحابة رضي الله عنهم، فخيفت الفتنة، فأمر عثمان رضي الله عنه أن
تُجمع هذه الصحف في مصحف واحد لئلا يختلف الناس فيتنازعوا في كتاب الله عز وجل
ويتفرقوا).
فجزاه الله خيرًا، أحسن إلى الأمة إحسانًا لا يُنسى، لو بقيت ها
الصحف وفيها بعض الاختلاف لكان قتال بين الأمة، والقتال الآن واقع مع اتحاد الصحف،
لكن اختلفوا في الفهم، واختلفوا في التأويل، فكيف لو أن المصاحف بأيدينا التي فيها
هذا الاختلاف، لكن الحمد لله أن الله حفظ هذا القرآن العزيز كما قال عز وجل:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].
(
في صحيح البخاري: أن
حذيفة بن اليمان قدم على عثمان من فتح أرمينيا وأذربيجان) أين يقعان؟
طالب: أثيوبيا.
الشيخ: في
شرق آسيا.
(
وقد أفزعه اختلاف في القراءة، فقال: يا أمير
المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل
عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليكِ.
ففعلتْ).
ما هي الصحف التي عندها؟ الصحف التي جمعها أبو بكر، ثم
أخذها من بعده عمر، ثم جعلها عمر عند حفصة؛ لأن حفصة رضي الله عنها امرأة عاقلة،
وهي إحدى أمهات المؤمنين، ولهذا لما وَقَّفَ عمر رضي الله عنه أرضه في خيبر جعل
الناظر عليه حفصة رضي الله عنها، ومن بعدها أولى الرأي من آل عمر
.
يقول:
(
فَفَعلتْ، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد
بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وكان زيد بن ثابت
أنصاريًّا، والثلاثة قرشيين، وقال عثمان للرهط الثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم
وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش) لماذا؟
الطلبة: لأن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لأن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه،
ورسول صلى الله عليه وسلم من قريش، فغُلِّبت لغة قريش على غيرها، ولهذا اقرأ قوله
تعالى:
مَا هَذَا بَشَرًا [يوسف: ٣١] أيش تقرؤها؟
الطلبة: بَشَرًا.
الشيخ: مَا هَذَا بَشَرًا،
بنو تميم ما يمكن يقولون:
مَا هَذَا بَشَرًا، يقولون:
{مَا هَذَا بَشَرٌ}، يعدُّون الذي يقول:
مَا هَذَا بَشَرًايعدونه لاحنًا مخطئًا في اللفظ، هذه لغتهم،
لكن القرآن كُتب بلغة قريش. أفهمت؟
طالب: معك يا
شيخ.
الشيخ: معي، ماذا قلت؟
الطالب: أن القرآن نزل بلسان قريش، وبنو تميم يقولون:
{مَا هَذَا بَشَرٌ}، والقرآن نزل على
مَا هَذَا بَشَرًا.
الشيخ: قلت: لماذا عثمان قال:
اكتبوه بلغة قريش إذا اختلفتم أنتم وزيد؟
الطالب: لأن
القرآن نزل بلسان قريش.
الشيخ: تمام، جيد.
يقول:
(
فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى
حفصة، وأرسل إلى كل أُفُق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو
مصحف أن يُحرّق).
كيف يحرق القرآن؟ نعم، درء المفاسد أولى من جلب المصالح؛
لأنها لو بقيت لكان الاختلاف، وضلَّل القوم الآخرين.
(
وقد فعل عثمان رضي
الله عنه هذا بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم لما روى ابن أبي داود عن علي رضي
الله عنه أنه قال: والله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن
ملأ منا)، وهذا من عدل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لئلا يظن الظان
أن عثمان تصرف بنفسه.
وقوله: (
إلا عن ملأ منا)؛ يعني عن اتفاق منا معه.
(
قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة
ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت. وقال مصعب بن سعد: أدركت الناس متوافرين حين حرق
عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك. أو قال: لم يُنكر ذلك منهم أحد ).
هل
يمكن أن نأخذ من هذا دليلًا على أن المصحف إذا تمزق، ولم يكن صالحًا للتلاوة أن
يحرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ:
نعم، لكن ينبغي أن يحرق في مكان ويدفن؛ لأن بعض المصاحف إذا أحرقتها تشاهد الحروف
لا تذهب، ولهذا ينبغي أن تُدفن، فإن لم يمكن دفنها فلتدق حتى تكون رمادًا.
قال:
(
وهو من حسنات أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه التي وافقه المسلمون عليها،
وكانت مُكمِّلة لجمع خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر رضي الله عنه،
والفرق بين جمعه وجمع أبي بكر رضي الله عنهما؛ أن الغرض من جمعه في عهد أبي بكر هو
تقييد القرآن كله مجموعًا في مصحف حتى لا يضيع منه شيء دون أن يحمل الناس على
الاجتماع على مصحف واحد، وذلك أنه لم يظهر أثر لاختلاف قراءاتهم يدعو -يعني هذا
الأثر-
إلى حملهم على الاجتماع على مصحف واحد).
الفرق؛ يعني أبو بكر جمع
المصحف لئلا يضيع، لا لأجل أن يتفقوا على مصحف واحد، ولهذا كان كل واحد من الصحابة
عنده مصحف يقرؤه كما سمع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(
أما الغرض
من جمعه في عهد عثمان رضي الله عنه فهو تقييد للقرآن كله مجموعًا في مصحف واحد،
يحمل الناس على الاجتماع عليه لظهور الأثر المخيف باختلاف القراءات).
فتبين
الآن الفرق بين الجمعين، أيهما أشد؟ أو أيهما أوجب؟
الأول: لئلا يضيع، والثاني:
أيضًا فيه قوة؛ لأنه لو بقيت هذه المصاحف، واختلف الناس في القرآن صار تفرقًا
عظيمًا، وصارت الأمم الأخرى تعيبنا وتقول: أنتم تقولون: إن اليهود حرَّفوا التوراة،
والنصارى حرفوا الإنجيل، وأنتم حرفتم القرآن؛ بدليل اختلافكم فيه.
(
وقد ظهرت
نتائج هذا الجمع حيث حصلت به المصلحة العظمى للمسلمين من اجتماع الأمة، واتفاق
الكلمة، وحلول الألفة، واندفعت به مفسدة كبرى من تفرُّق الأمة، واختلاف الكلمة،
وفشوِّ البغضاء والعداوة، وقد بقي على ما كان عليه حتى الآن متفقًا عليه بين
المسلمين متواترًا بينهم، يتلقَّاه الصغير عن الكبير، لم تعبث به أيدي المفسدين،
ولم تطمسه أهواء الزائغين؛ فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين).
الحمد لله.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- قول النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم:
«يُقَالُ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ:
اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ» الحديث
.
هل لا يدخل فيه إلا الحافظ للآيات عن ظهر قلب؟
الشيخ:
هذا هو الظاهر من النصوص الواردة في القرآن وفضله مما حفظه عن ظهر قلب، لكن فعل بعض
الصحابة كعائشة رضي الله عنها حيث كانت تقرأ من المصحف في التهجد
،
يقال: هذا يُغني عن التلاوة عن حفظ لمن لم يقدر عليه.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، نأخذ من هذا الرد على هذه القصص
الرد على من يطعنون في الصحابة أبي بكر والصحابة جميعًا؛ لأن عثمان بن عفان رضي
الله عنه أوكل كتابة المصاحف إلى أربعة، كأن الله سبحانه وتعالى حفظ هؤلاء الأربعة
حتى يحفظوا هذا المصحف، نرد بهذه الطريقة يا شيخ.
الشيخ: ما فيها شك؛ يعني الرد على الطاعنين في الصحابة من وجوه
كثيرة، لو أن الإنسان شب على النصوص لوجدها تزيد عن المئة أو المئتين.
طالب: شيخ، ما هو ردكم على من يحصل بدعة، ويستدل بها في هذه قصة
أبي بكر أنه يعني جمع القرآن الكريم وفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟
الشيخ: بارك الله فيك، ما كان وسيلة لمشروع فهو
مشروع، هذه قاعدة مفهومة عند العلماء، الوسائل لها أحكام المقاصد، أما أن يشرع
الإنسان شيئًا ابتداء فهذا لا يجوز، هذا هو البدعة.
طالب: السور.
الشيخ: الإشارة إلى
الواحد.
طالب: طيب يا شيخ بالنسبة لترتيب الآيات قلنا:
إنه ثابت بالنص والإجماع فيما قلتم: إن هذا القول الراجح، كيف الإجماع هو القول
الراجح؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ذكرنا أن النوع الثاني من الآيات أنها ثابتة بالنص
والإجماع، وقلتم: هذا هو القول الراجح، أشكل عندي كيف القول الراجح وهو
الإجماع؟
الشيخ: إي، القول الراجح؛ لأن الذي ادعى هذا
مخالف للإجماع.
طالب: يا شيخ -أحسن الله إليك- بعضهم
يذكر المناسبات بين الآيات والترتيب، ويش تقولون في هذا؟
الشيخ: هذا لا بأس، لكن بس إن بعض الناس يتكلّف كلافة عظيمة، ثم
يأتي ذكر المناسبات، الآن
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] ما
مناسبتها في طي آيات العِدَد؟
طلبة: لا نعلم يا شيخ.
الشيخ: الله أعلم.
الطالب:
شيخ -أحسن الله إليك- عثمان كتب بعض مجموعة من هذه المصاحف، وبعث بكل مصحف إلى أفق
من الآفاق، كيف القول إذا كان الذي يقرأ سورة عن أصل واحد في هذه القراءات السبع
والعشر؟ ما هذا يا شيخ؟
الشيخ: ما تخرج عن المصاحف هذه،
القراءات السبع ما تخرج عن هذه المصاحف.
الطالب: شيخ،
أحيانًا يكون فيه زيادة حرف، نقص حرف؟
الشيخ: لا، ما
فيه إلا نادر جدًّا زيادة أو نقص؛ يعني لا أذكر إلا ثلاثة مواضع.
طالب: بارك الله فيك، بعض الناس وهو يصلي ينتقي من بين الآيات
آيات معينة من سورة بأن يقرأ مثلًا آيات الترغيب والترهيب من سورة مثلًا (آل عمران)
أو (الأعراف)، ثم ينتقل إلى (هود) و(طه) ويقول: إن هذا (...) طيب (...) الطيب، فهل
هذا سائغ؟
الشيخ: يعني ألّا يقرأ إلا بآيات الترغيب؟
الطالب: لا، بأن يقرأ مثلًا في صلاة الليل، فيقرأ،
يبدأ القراءة بآيات معينة من سورة مثلًا (الأعراف)، فلما ينتهي منها ينتقل مثلًا
لآيات من سورة (الرعد)، ثم ينتقل لآيات مثلًا من سورة..
الشيخ: لماذا؟
الطالب: ليقول بأن هذا
يعني زيادة تأثيره على القلب والخشوع والحضور؛ يعني استحضار عظمة الله عز وجل.
الشيخ: يعني يقرأ بالآيات المتناسبة؟
الطالب: إي نعم، من سور متفرقة، وسئل عن ذلك فقال: إن بعض
الصحابة كان يقرأ بمثل هذا، فلما سئل قال:
أخْلِط الطّيب
بالطيب.
الشيخ: لا، هذه مشكلة، إذا كان لهذا
الغرض مشكلة، أما إذا قال: لا، أنا أريد أن أُذكِّر الناس بالآيات المتناسبة، لا
بأس، أما يقول: أخلط الطيب بالطيب؛ معناه أن انتقاد للترتيب الحالي الآن.
طالب: في الركعة الواحدة يا شيخ؟
الشيخ: لا ركعة واحدة أو ركعات.
***
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في العقيدة
الواسطية: ولا يسلبون الفاسق الْمِلِّيّ الإيمان بالكلية، ولا يخلِّدونه في النار
كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى:
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢]، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢]، استشكل عليَّ كلمة (قد)، هل هي من كلام
شيخ الإسلام أم لا؟ وإذا كانت من كلام شيخ الإسلام، فما توضيح العبارة؟إي
نعم؛ يعني معناه أنه إذا أُطلق اسم الإيمان قد يُراد به الفاسق، وقد يراد به الكامل
الإيمان، فقوله تعالى:
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، يُراد به من معه مطلق الإيمان حتى الفاسق لو أعتقه الإنسان في
كفارة أجزأ.
وأما قوله:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْهذه المراد المؤمنون الكُمّل،
فلا يدخل فيهم الفُسَّاق؛ لأن الفاسق ليس بهذا الوصف، و(قد) هنا للتحقيق ما هي
للتقليل.
***
الطالب: بسم الله
الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين، قال المصنف حفظه الله تعالى:
التفسير، التفسير لغة: من (الفسر)
وهو الكشف عن المغطى.
وفي الاصطلاح: بيان معاني القرآن الكريم.
وتعلم التفسير
واجب؛ لقوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، ولقوله تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤]، وجه الدلالة من الآية الأولى أن الله تعالى بيَّن
أن الحكمة من إنزال هذا القرآن المبارك أن يتدبر الناس آياته، ويتعظوا بما فيها،
والتدبّر: هو التأمل في الألفاظ للوصول إلى معانيها، فإذا لم يكن ذلك فاتت الحكمة
من إنزال القرآن، وصار مجرد ألفاظ لا تأثير لها، ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في
القرآن بدون فهم معانيه، ووجه الدلالة من الآية الثانية: أن الله تعالى وبخ أولئك
الذين لا يتدبرون القرآن، وأشار إلى أن ذلك من الإقفال على قلوبهم وعدم وصول الخير
إليها. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله
رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان
إلى يوم الدين.
(
التفسير) فسره بأنه (
لغة من (الفسر)
؛ وهو
الكشف عن المغطى)؛ ولذلك إذا كشف الإنسان كُمَّه انكشف ما تحته، ويقال: فَسَر
ثوبه؛ يعني أبان ما تحته.
(
في الاصطلاح: بيان معاني القرآن الكريم)، هذا
التفسير، فسر القرآن؛ أي: بيَّن معناه، وبيان معاني القرآن واجب، وتبيُّنها واجب؛
لأن المقصود من إنزاله هو فهم معناه والعمل به، وإذا كنا لا نفهم المعنى صار القرآن
بيننا كأنه عربي بين عجمي لا يعرف معناه، ولا يعرف المراد به، والإنسان لو أراد أن
يعمل بكتاب فقه من كتب الفقهاء فإنه لا بد أن يعرف معناه، ولو أُلقي إليه وهو يطلب
عِلم الطب كتاب فيه الطب وأنواعه، وما يتعلق به، ولم يُشرح له، لم يستفِد منه؛ إذن
فلا بد من أن نفهم معنى القرآن.
وهل فهم معنى القرآن صعب؟ لا، قال الله عز وجل
وهو أصدق القائلين:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧]؛ أي: هل من متذكر؟ و(هل) هنا للتشويق؛
لأنه لما أخبر وأكَّد أن الله يسره للذكر شوق إلى ادكاره وفهمه، فأنت إذا أقبلت
بصِدق لتفهم معنى كلام ربك عز وجل، فإنه لا بد أن يُيسَّر لك؛ إما بفتح يفتحه الله
عليك، وإما بجلب عالم يبين لك معناه، وإما بكتُب تفسير توضح لك المعنى؛ لأن الله
تعالى أخبر وأكَّد هذا الخبر بقوله:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.
(
وتعلُّم التفسير
واجب) تعلم التفسير واجب، واستدل المؤلف لذلك، ولكن هل هو واجب على العين على
كل واحد؟
الجواب: أما ما يحتاجه الإنسان فإنه يجب عليه وجوب عين أن يفهم معناه،
وأما ما لا يجب فإن تعلمه فرض كفاية؛ إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وأما أن
يبقى المسلمون كلهم لا يفهمون معنى القرآن، فهذا خطأ عظيم.
وإننا نأسف لقوم
يعتنون غاية العناية بالحديث، وليس بالحديث أيضًا دراية، بل رواية في أسانيده
وأقسامه ورجاله وما أشبه ذلك، لكنك تجدهم في فقه الأحاديث ضعفاء، وفي تفسير القرآن
أضعف وأضعف، وهذا لا شك أنه حسن من وجه، لكنه فيه قصور عظيم؛ لأن كون الإنسان يعتني
بهذه العناية التامة، ويُعرض عن القرآن هو يقول في نفسه: القرآن -والحمد لله- ثابت،
ولا حاجة إلى أن أبحث عن رجال سنده، ولا أن أبحث عن متونه.
نقول: نعم، لكن هل
أنت تفهم معناه؟ كثير من هؤلاء لو عرضت عليه آية ليست صعبة المعنى عجز عنها، ولم
يعرفها، ولا إعرابها، ولا بلاغتها، وهذا قصور.
وأنا رأيي أنه يجب أن نبدأ في طلب
العلم، أن نبدأ بالقرآن؛ نفهم معناه ونعمل به، ثم بالسنة، والسنة لا شك أنها أشق من
القرآن؛ لأن السنة تحتاج إلى نظرين؛ النظر الأول: ثبوتها عن النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم، فننظر في السند والرجال والاتصال والانقطاع وغير ذلك، والثاني:
النظر في المعنى.
إذن علم التفسير واجب، لكن من كان يحتاج إلى شيء معين منه فهو
فرض عين عليه، مثل: أن يكون رجلًا عنده مال، يريد أن يُزكِّي، ويعطي الزكاة أهلها،
لا بد أن يفهم معنى الآية الكريمة:
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠]، من أجل أن يقوم بما أوجب الله
عليه، وهكذا الوضوء لا بد أن يعرف:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] لا بد أن يعرف أيش معنى الغسل، ويش حد الوجه، ويعرف غسل الرِّجلين متى
يكون واجبًا؟ ومتى يجوز المسح على الخفين وما أشبه ذلك، أما ما عدا هذا فهو فرض
كفاية، يجب على المسلمين عمومًا أن يقوموا به، فإن قام به أحد يُكتفى به لكونه
مأمونًا موثوقًا مرجعًا للمسلمين في التفسير كفى، وإلا فالواجب أن يُتعلَّم
التفسير.
قال: (
واجب؛ لقوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩]).
كتاب يعني هذا كتاب، وإنما قدرنا هذا؛ لأن ما قبلها حروف هجائية
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ [إبراهيم: ١] حروف هجائية ليس لها
محل من الإعراب؛ لأنها حروف هجائية (أ ل ر) كيف تكتبونها؟
(أ)، و(ل) فقط ما هو
بـ(لام) حسب النطق (ل) صورة (ل)، (ر) كذلك؛ ولهذا كان القول الراجح أن هذه الحروف
الهجائية ليس لها معنًى في ذاتها؛ لأنها حروف هجائية، والقرآن نزل بلغة مَن؟
الطلبة: لغة العرب.
الشيخ: لغة العرب، والعرب لا يرون لهذه الحروف معنى، لكن ليس
معناها أنها لغو، لا، هي لها مغزى عظيم بليغ، وهو أن هؤلاء العرب الذين هم أفصح
الناس ركّبوا كلامهم من هذه الحروف، وجاء القرآن بهذه الحروف، ومع ذلك أعجزهم، لا
يستطيعون أن يؤلفوا مثله أبدًا، هو لو جاء بحروف جديدة لكان للعرب عذر ألّا
يعارضوه، لكنه لم يأتِ إلا بالحروف التي هم يُكوِّنون كلامهم منها، ولذلك لا تجد
سورة مبدوءة بالحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن، هذا هو الغالب.
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌوالله ما أبرك من
هذا القرآن لما كان المؤمنون يعملون به ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلنًا، عقيدةً
وعملًا، وخلقًا وأدبًا؛ نالوا بركته، وسادوا به العالم، وجاهدوا به أعداء الله،
ولما تخلَّفوا عنه نُزعت بركة القرآن منهم، وصاروا يُعظِّمون القرآن تعظيم طقوس لا
تعظيم عمل، يكتبونه في الجدران، يكتبونه في الأحراز الحجب اللي يسمونها الحجب، وما
أشبه ذلك، يأخذ الإنسان المصحف ويُقبِّله، ويسجد عليه، هل هذا من التعظيم؟! تعظيم
القرآن العمل به تصديقًا بأخباره وعملًا بأحكامه.
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِآياته كلها كل
الآيات سواء طالت الآية أم قصرت؛ فمثلًا يجب علينا أن نتدبر
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢]، وهي أطول آية في القرآن، وأن يتدبر قول الله
تعالى
ثُمَّ نَظَرَ [المدثر: ٢١]، وهي من أقصر الآيات
ويش من هذا الناظر؟ وهل نظر بالفكر أو نظر بعينه؟ مثلًا لا بد أن نعرف هذا.
لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَمن؟
طلبة: أُولُو الْأَلْبَابِ.
الشيخ: أُولُو الْأَلْبَابِأولو العقول يتعظون بهذا القرآن؛ ولذلك
إذا لم تتعظ بالقرآن فاعلم أنه لا عقل لك؛ لأنه لا يتذكر بالقرآن إلا من؟ إلا أهل
العقول.
وقال تعالى:
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ،
والاستفهام هنا للتوبيخ
أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤] (أم) هنا منقطعة بمعنى (بل)؛ أي: بل على قلوبٍ
أقفالها والعياذ بالله، والأقفال جمع (قُفل)، وهو ما يُغلق به الأشياء.
(
وجه
الدلالة من الآية الأولى أن الله تعالى بيَّن أن الحكمة من إنزال هذا القرآن
المبارك أن يتدبر الناس آياته، ويتعظوا بما فيها.
والتدبر: هو التأمل في
الألفاظ للوصول إلى معانيها، فإذا لم يكن ذلك فاتت الحكمة من إنزال القرآن، وصار
مجرد ألفاظ لا تأثير لها؛ ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في القرآن بدون فهم معانيه.
ووجه الدلالة من الآية الثانية أن الله تعالى وبَّخ أولئك الذين لا يتدبرون
القرآن، وأشار إلى أن ذلك من الإقفال على قلوبهم، وعدم وصول الخير إليها.
وكان
سلف الأمة على تلك الطريقة الواجبة يتعلمون القرآن؛ ألفاظه ومعانيه؛ لأنهم بذلك
يتمكنون من العمل بالقرآن على مراد الله تعالى، فإن العمل بما لا يُعرف معناه غير
ممكن.
قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا
القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم
والعمل)؛ أي: يقرؤون القرآن بتأنٍّ؛ عشر آيات، ثم يتعلمونها وما فيها من العلم
والعمل.
(
قالوا: فتعلمنا العلم والعمل، فتعلمنا القرآن والعلم والعمل
جميعًا) تعلم القرآن؛ يعني ألفاظه، و(
العلم) يعني معانيه،
(
والعمل) العمل بما فيه.
(
قال شيخ الإسلام -رحمه الله، وهو ابن
تيمية، قال-
: والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب،
ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام
دينهم ودنياهم؟!)
وصدق رحمه الله، الإنسان إذا قرأ القرآن، إذا قرأ كتابًا
لا بد أن يفهم معناه، وإلا لم يستفد منه، لو قرأت كتابًا بالنحو كالآجرومية مثلًا،
هل تستفيد منها بدون معرفة المعنى؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، فكيف بكلام الله عز وجل؟
(
ويجب على
أهل العلم أن يُبيّنوه للناس عن طريق الكتابة أو المشافهة؛ لقول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، وتبيين الكتاب
للناس شامل لتبيين ألفاظه ومعانيه، فيكون تفسير القرآن مما أخذ الله العهد على أهل
العلم ببيانه).
إذن حكم التفسير واجب على التفصيل الذي ذكرنا، طريقة السلف
في القرآن أنهم يتعلمون ألفاظه ومعانيه، ويعملون به إذا نزلت آيات في البيع تعلموا
هذه الآيات ويش معناها، وعملوا بها
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩].
أيظن الظان أن الصحابة
رضي الله عنهم يدَعون الصلاة، ويُقبلون على البيع؟
لا، أبدًا، هم عملوا بذلك،
وهكذا بقية الآيات حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما خاطب النساء
وأمرهن بالصدقة وقال:
«إِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ
النَّارِ» .
ماذا فعلن؟ صارت المرأة تأخذ قرصها من أذنيها وخاتمها من أصبعها وتلقيه إلى بلال
رضي الله عنه، امتثال تام، نسأل الله أن يجعلنا متّبعين لآثاراهم.
قال:
(
والغرض من تعلُّم التفسير هو الوصول إلى الغايات الحميدة والثمرات الجليلة؛ وهي
التصديق بأخباره والانتفاع بها، وتطبيق أحكامه على الوجه الذي أراد الله ليُعبد
الله بها على بصيرة).
تصديق الأخبار هذه من غايات علم التفسير؛ أن تصدق
الخبر، وتنتفع بالخبر، لا مجرد أن تفهمه فقط؛ فمثلًا إذا قال الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨] هذا خبر
أو أمر؟
الطلبة: خبر.
الشيخ: خبر، انتفع بهذا؛ الانتفاع ليس مجرد أن تعلم أن الله سميع
بصير، الانتفاع أن تخشى الله؛ فلا تقل ما يَسمع منك وهو لا يرضاه، ولا تفعل ما
يبصره ويراه وهو لا يرضاه، انتفع بهذا، لما قص الله علينا قصص الأنبياء السابقين
قال:
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١] ينتفع بها الإنسان، ينتفع بها إذا كانت وعيدًا
وإهلاكًا، ينتفع بها إذا كان فيها فوائد وحِكم كما في قصة ذي القرنين، وفي قصة
أصحاب الكهف، وفي قصة يوسف وغيرها من القصص النافعة كما قال الله عز وجل:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٣].
الواجب على المسلم في تفسير القرآن
01:09:50
(
الواجب على المسلم في تفسير القرآن)، وهذا مهم جدًّا، هذا
العنوان؛ يعني ما الذي يجب عيك عند تفسير القرآن.
اسمع يقول: (
الواجب على
المسلم في تفسير القرآن أن يُشعر نفسه حين يُفسّر القرآن بأنه مترجم عن الله عز
وجل).
صعبة جدًّا، إذا كنت تفسر القرآن فاعلم أنك مترجم؛ لأن هذا هو الترجمة
حقيقة؛ لأن الترجمة تفسير لغة بلغة أخرى؛ فهو ترجمة تُترجم عن الله عز وجل
أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [الأنعام: ٧٢]، جاء إنسان يقول: ويش
معنى أقيموا الصلاة؟ تقول: معناها ائتوا بها مستقيمة على الوجه المطلوب، إذن ترجمت
المعنى، أليس كذلك؟
أيضًا: (
شاهد عليه بما أراد من كلامه)، وهذه أصعب،
تشهد أن الله أراد بهذا الكلام هذا المعنى شهادة ستُسأل عنها يوم القيامة، سيقول
الله لك: ما الذي أعلمك أني أردت كذا؟ هذه اثنتان.
(
فيكون معظِّمًا لهذه
الشهادة خائفًا من أن يقول على الله بلا عِلم فيقع فيما حرم؛ فيُخزى بذلك يوم
القيامة).
فهو إذن التفسير خطير، لكن مع ذلك هو مع النية الصادقة يسير،
ييسره الله، ويسهله، ويوفق الإنسان للصواب فيه.
(قال
الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]).
قل: إنما حرم الفواحش،
إِنَّمَاأداة حصر؛ يعني ما حرم إلا هذا، أولًا:
الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والفواحش: جمع (فاحشة)، وهو كل ما يُستفحش شرعًا أو
عقلًا، هل يجوز أن نقول: أو عادة؟
لا يجوز؛ لأن بعض الفواحش العظيمة لا يُستفحش
عادة، بلد تُقام فيه الحفلات والرقص وما أشبه ذلك، ولا يستنكرون هذا، ولا
يَستفحشونه، هل نقول: عادة هذه الحفلات المحرَّمة والرقصات المحرمة عادت حلالًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ:
ليش؟
طلبة: لأنها محرمة شرعًا.
الشيخ: لأنها محرمة، وإن كانوا لا يستفحشونها، في بعض البلاد
يترددون إلى القبور، يدعون أصحابها، ولا يرون هذا فاحشة، بل يرون هذا قربة ووسيلة،
هل نقول: أصبح التردد إلى القبور لدعائها أصبح غير حرام؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن الفواحش،
جمع (فاحشة)، وهو ما يُستفحش عقلًا أو شرعًا.
فإن قال قائل: إننا نسمع كثيرًا
من يقول: إن العقل والشرع متلازمان؟ نقول: نعم، هما متلازمان، لا يمكن أن يكون
الشيء فاحشًا في الشرع إلا وهو فاحش في العقل، لكن العقل قد يستفحش شيئًا لا
يستفحشه الشرع، إنما الغالب أنهما متلازمان.
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَلها معنيان:
المعنى الأول: ما ظهر منها للناس،
وَمَا بَطَنَما خفي عليهم.
المعنى الثاني: ما ظهر
فحشه،
وَمَا بَطَنَأي: ما خفي؛ لأن من الفواحش ما هو
ظاهر، ومنها ما هو خفي.
الثانية:
وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّالإثم: كل ما يأثم الإنسان به داخل في هذه الآية؛ البغي
بغير الحق، العدوان على الناس بغير الحق، وهل هناك بغي بحق؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن بغير الحق صفة
كاشفة مُبيِّنة لكون البغي غير حق، ونظير ذلك قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١].
والرب اللي ما خلقنا هو فيه رب ما خلقنا؟!
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن
الَّذِي خَلَقَكُمْصفة كاشفة، هذه أيضًا مثلها، البغي؛ لأن كل بغي فهو غير حق،
فيكون بغير الحق صفة كاشفة؛ أي: مبينة لكون البغي غير حق، الجملة اللي بعدها
مثلها.
وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًاتشركوا بالله في ذاته، في ربوبيته، في أولوهيته، في أسمائه
وصفاته، الممثِّلة مشركون بأيش؟
طلبة: بالأسماء
والصفات.
الشيخ: بالأسماء والصفات، عابدو الأوثان؟
بالألوهية، القائلون بأن هناك ربًّا مدبرًا؟
الطلبة:
بالربوبية.
الشيخ: في الربوبية، المنكرون لوجود الله؟
طلبة: في الذات.
الشيخ: في
الوجود، في وجود الله عز وجل؛ لأن إذا جعلوه عدمًا صار مشابهًا للعدم.
مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، فإن أشركنا به ما أنزل
به من سلطان؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطلبة:
ما يجوز.
الشيخ: لا، يا إخوان، أن تشركوا ما لم يُنزّل
به، فإن نزل به سلطانًا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
الطلبة: لا
يجوز.
الشيخ: سبحان الله! ما أسرع نسيانكم! ألم نقل قبل
قليل أن هناك صفات تكون كاشفة؟!
إذن أن تشركوا بالله شركًا لم يُنزل به سلطانًا؛
لأنه ما من شرك إلا وليس فيه سلطان أبدًا، فيكون معنى قوله:
مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًاصفة كاشفة مبينة للعِلّة، وهو أن كل شرك
فليس فيه سلطان من الله عز وجل.
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَأن تقولوا عليه؛ أي: على الله ما لا تعلمون
سواء كان ذلك في تفسير كلامه، أو في إثبات أحكامه أو نفيها، أو غير ذلك، كل من قال
على الله ما لم يعلم فهو داخل في هذه الآية.
إذا قال شخص عن شيء: إن هذا حرام،
وهو لا يدري، ما تقول، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: لا
يجوز.
الشيخ: لا يجوز، على كل حال، الآن نقول: لو قلت
عن شيء: إنه واجب وأنت ما تدري أن الله أوجبه؛ حرام عليك، لو قلت: أظن أن هذا حرام؟
يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن الله قال:
مَا لَا تَعْلَمُونَ.
إذن لو قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى لا يُوصف
بالإتيان والنزول، وما أشبه ذلك، هل قال على الله ما لا يُعلم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لو قال:
إنه يجب على الله كذا، ويمتنع عليه كذا، بدون علم، فقد قال على الله ما لا يعلم،
حتى في المسائل الفقهية، تقول: إن الله حرم كذا، لا يجوز، ولهذا كان من ورع الإمام
أحمد -رحمه الله- أنه لا يقول عن شيء إنه حرام إلا ما جاء فيه النص بالتحريم، وإلا
فهو يقول: لا ينبغي، أكره، لا يعجبني، وما أشبه ذلك، إلا ما نص الله عليه كالميتة،
والدم، والأم، والبنت، وما أشبه ذلك.
هل الآية الآن من باب الترقي أو من باب ذكر
الأعلى فالأعلى؟
الطلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ يعني أن أشد شيء؛ أن يقول على الله ما لا يعلم،
كيف يكون هذا أشد من الشرك؟
لأن الذي قال على الله ما لا يعلم لم يقتصر إفساده
على نفسه، وإنما على غيره؛ لأنه بذلك أبطل الشريعة، وأحل محلها شيئًا آخر؛ لأنه إذا
قال عن شيء: إنه يجب، وليس بواجب بشرع الله معناه رفع الحِلّ، وجعل محله الإيجاب،
لكن المشرك من ضر؟
طالب: ضر نفسه.
الشيخ: ضر نفسه، وإذا اهتدى زالت المفسدة بالكلية، لكن الذي يقول
على الله ما لا يعلم؛ لو اهتدى ورجع وصار لا يقول إلا عن علم، فإن إفساده الأول لا
يزال باقيًا؛ فلهذا صار القول على الله بلا علم أشد من الإشراك بالله عز وجل.
وهذا والله معنى لا نعقله، أكثرنا غافل عنه أكثرنا يستفتى، ويقول: هذا حرام،
هذا حلال، وإذا جلس في مجلس، وكأنما يُوزّع على الجالسين حلاوة بقوله: هذا حرام،
وهذا حلال، وكأنه أكبر إمام في الدنيا، ودا غلط، يا أخي، لا تستعجل السيادة، إذا
كنت تريد أن تسود الناس في العلم، انتظر حتى ييسر الله لك علمًا راسخًا، وتُبيِّن
للناس، أما أن تجلس بين عوام، العوام لو يأتي عندهم إنسان فصيح اللسان، أضلَّهم،
واغترّوا به، فنقول: يا أخي، اصبر. لا نقول لك: لا تعلم الناس، بلِّغ ولو آية، لكن
انتظر؛ فلذلك صار خطر الذي يقول على الله ما لا يعلم أعظم من خطر أيش؟
طلبة: المشرك.
الشيخ: المشرك.
المرجع في تفسير القرآن
01:22:23
(
المرجع في
تفسير القرآن، يرجع في تفسير القرآن إلى ما يأتي:
أولًا: كلام الله عز وجل،
فيُفسِّر القرآن بالقرآن؛ لأن الله تعالى هو الذي أنزله، وهو أعلم بما أراد، ولذلك
أمثلة؛ منها: قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢]، فقد
فسّر أولياء الله بقوله في الآية التي تليها: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٣]).
لا يمكن أن تجد تفسيرًا أحسن من هذا
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. اللهم
اجعلنا من أوليائك.
الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَآمنوا بقلوبهم، واتقوا بجوارحهم، هؤلاء هم أولياء الله، وقد قال
شيخ الإسلام رحمه الله: من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا، كلمة حلوة مأخوذة من
الآية.
فإذا ادعى مُدَّعٍ أنه ولي لله، وقال: أنا ولي لله بهذا اللفظ، قلنا:
القرآن يُكذبك، ليش؟
طلبة: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
الشيخ: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَوالله تعالى يقول:
فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: ٣٢]، وأنت الآن زكَّيت نفسك فلم تتقِ الله، فلست
بولي.
إذا قال: إنه من أولياء الله، وأنه يحل له أن يتزوج خمسين امرأة، وأن يأخذ
ما صفا له من أموال الناس، ويش نقول؟
طالب:
كذبت.
الشيخ: نقول: أنت الآن من أعداء الله، أين
الإيمان والتقوى الذي به تستحق أن تكون لله وليًّا؟! وسمعت أنه يوجد في بعض البلاد
من يفعل هكذا، أليس كذلك؟
طالب: بلى يا شيخ.
الشيخ: بلى، يدعي أنه ولي لله، وأنه له أن يتزوج خمسين
امرأة؟
الطالب: خمسين! لا، يا شيخ، خمسة يا شيخ،
تسعة!!
الشيخ: لا، أنا سمعت خمسين، وسمعت أن بعضهم
يقول: لا حد له، يأخذ من النساء ما شاء، ويتخيّر ما شاء، أعوذ بالله، من أين جاؤوا
بها؟! ولكن هؤلاء أشار إليهم شيخ الإسلام -رحمه الله- بأنهم قوم من الصوفية،
يقولون: إن هذه العبادات؛ صلاة، صيام، حج، هذه يُؤمر بها العامة، فهي وسيلة حتى
يصلوا إلى الغاية، فإذا وصلوا إلى الغاية سقطت كالإنسان المسافر، يشد الرحل، ويدني
البعير، ويحمل الزاد، فإذا وصل خلاص باع البعير وكل شيء.
ذُكِر أن عبد القادر
الجيلاني -رحمه الله- رأى في المنام نورًا عظيمًا عظيمًا عظيمًا، وسمع منه صوتًا
يقول: يا عبد القادر، وصلت إلى الغاية فلا صلاة عليك.
لو أن هذه الرؤيا صارت
للإنسان وهي حلم، ما هي برؤيا حلم من الشيطان، لو صارت لهؤلاء المدعين لطار بها
فرحًا، فقال له عبد القادر: كذبت، ولكنك شيطان، يقول: فتمزق النور، على طول، فصار
هذا النور..
طالب: شيطان.
الشيخ: من تخيلات الشيطان، فالمهم أن الله تعالى فسَّر أولياء
الله بأنهم؟
الطلبة: الَّذِينَ آمَنُوا.
الشيخ: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، فأما جزاؤهم فـ
لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْفيما يُستقبل، ولا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم قد ملؤوا ما
مضى بالإيمان والتقوى، والحزن إنما يكون على فوات المحبوب، أما هؤلاء فقد عمروا
أوقاتهم بالإيمان والتقوى، اللهم اجعلنا منهم.
الطلبة:
آمين.
الشيخ: (
ثانيًا: قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢])
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١]،
الواو في قوله:
وَالطَّارِقِهل هي للقسم ولَّا
عاطفة؟
طلبة: للقسم.
الشيخ:
للقسم، أحسن من كونها عاطفة؛ لأنها إذا كانت عاطفة صار ما بعدها تابعًا لما قبلها،
وإذا كانت قسمًا صار ما بعدها مستقلًّا.
(
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُفقد فسَّر
الطارق بقوله في الآية الثانية: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣]).
النَّجْمُ الثَّاقِبُأي: الثاقب للظلام بنوره،
ولهذا لو أنك في البر وليس حولك إضاءة من الكهرباء لوجدت ظلك في ضوء بعض النجوم،
الثاقب أيضًا الثاقب للشياطين الذين يسترقون السمع كما في قوله تبارك وتعالى:
فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ١٠]، ففسر الله عز
وجل الطارق بأنه النجم الثاقب.
لو قال قائل: لا، الطارق الذي يطرق أهله ليلًا
فيأتي من السفر بالليل، ماذا نقول له؟
طالب: كذبت.
الشيخ: قولوا يا جماعة.
الطلبة: كذبت.
الشيخ: بشجاعة نقول:
كذبت، إن الله تعالى قال:
النَّجْمُ الثَّاقِبُ.
(
الثالث: قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات: ٣٠]) هذه آية مشكلة؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة (فصلت) أن الله خلق
السماوات بعد الأرض، كما قال عز وجل:
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت: ٩ - ١١] (...).
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَاقال الله عز وجل:
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [النازعات: ٢٧، ٢٨] شوف تلاوتي أنا:
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُبَنَاهَاأو نصل ونقول:
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا؟
طالب: لا نصل.
الشيخ: نصل ولَّا نقف؟
الطلبة:
نقف.
الشيخ: نقف، لا بد، لو وصلت اختلف المعنى
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ، ثم فصَّل فقال:
بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات: ٢٧ -٣٠].
بَيَّن سبحانه وتعالى الدحو بقوله:
أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات: ٣١ - ٣٣]، فهذا من
تفسير كلام الله بعضه ببعض.
***
الطالب: كلام رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فيفسّر القرآن بالسنة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُبلّغ عن
الله تعالى؛ فهو أعلم الناس بمراد الله تعالى بكلامه، ولذلك أمثلة؛ منها: قوله
تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، فقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالنظر
إلى وجه الله تعالى، فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم صريحًا من حديث أبي موسى
،
وأبي بن كعب ،
ورواه ابن جرير من حديث كعب بن عجرة ، وفي صحيح مسلم عن صهيب بن سنان، عن
النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قال فيه: «فَيَكْشِفُ
الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى
رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ». ثُمَّ تَلَا هذه الآية: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ» .